فخر الدين الرازي

156

تفسير الرازي

وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما توعد من قبل من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : * ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ) * أتبعه بما يؤكد الزجر وهو قوله تعالى : * ( وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ) * في الهلاك والعذاب وإنما يقع فيه التقديم والتأخير فالذين تقدموا كان وقت هلاكهم في الكتاب معجلاً ، والذين تأخروا كان وقت هلاكهم في الكتاب مؤخراً وذلك نهاية في الزجر والتحذير . المسألة الثانية : قال قوم المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان الله ينزله بالمكذبين المعاندين كما بينه في قوم نوح وقوم هود وغيرهم ، وقال آخرون : المراد بهذا الهلاك الموت . قال القاضي : والأقرب ما تقدم ، لأنه في الزجر أبلغ ، فبين تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل لأن العذاب مدخر ، فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر وقال قوم آخرون : المراد بهذا الهلاك مجموع الأمرين وهو نزول عذاب الاستئصال ونزول الموت ، لأن كل واحد منهما يشارك الآخر في كونه هلاكاً ، فوجب حمل اللفظ على القدر المشترك الذي يدخل فيه القسمان معاً . المسألة الثالثة : قال الفراء : لو لم تكن الواو مذكورة في قوله : * ( ولها كتاب ) * كان صواباً كما في آية أخرى وهي قوله : * ( وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ) * ( الشعراء : 208 ) وهو كما تقول : ما رأيت أحداً إلا وعليه ثياب وإن شئت قلت : إلا عليه ثياب . أما قوله : * ( ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : من في قوله : * ( من أمة ) * زائدة مؤكدة كقولك : ما جاءني من أحد ، وقال آخرون : إنها ليست بزائدة لأنها تفيد التبعيض أي هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد . المسألة الثانية : قال صاحب " النظم " معنى سبق إذا كان واقعاً على شخص كان معناه أنه جاز وخلف كقولك سبق زيد عمراً ، أي جازه وخلفه وراءه ، ومعناه أنه قصر عنه وما بلغه ، وإذا كان واقعاً على زمان كان بالعكس في ذلك ، كقولك : سبق فلان عام كذا معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه فقوله : * ( ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) * معناه أنه لا يحصل ذلك الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده ، بل إنما يحصل في ذلك الوقت بعينه ، والسبب فيه أن اختصاص كل حادث بوقته المعين دون الوقت الذي قبله أو بعده ليس على سبيل الاتفاق الواقع ، لا عن مرجح ولا عن مخصص فإن